الشريف المرتضى

276

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

وليس ينكر وقوع التجاهل ودفع الضّرورات من الواحد والاثنين ، ولا اعتبار بمثل ذلك فيما يعمّ العلم به وتزول الشّكوك فيه . وهب أنّ قوما شكّوا في بعض ما ذكرناه - وإن كان لا طريق للشّكّ عليه - ونحن نعلم أنّ أحدا لا يشكّ في أنّه عليه السّلام كان ينتظر نزول الوحي بالقرآن ، ويدّعي أنّ جبرئيل عليه السّلام يتولّى إنزاله عليه ومخاطبته به ، وأنّه كان يجعل ذلك مزيّة له وإبانة . وهذا غاية التّحدّي ونهاية ما يبعث على المساواة والمعارضة ؛ لأنّه عليه وآله السّلام إذا ادّعى النبوّة وألزم البشر الانقياد له ومفارقة ما هم عليه من دين وعادة ورئاسة ، ولم يظهر منه شيء يمكن أن يدّعي به الإبانة إلّا انتظاره للوحي بالقرآن . والدّواعي إذا متوافرة إلى مساواته في الأمر الّذي متى سوّي فيه لم يكن له مزيّة ولا في يده حجّة ولا شبهة ، فكان يجب أن يظهر كلّ واحد منهم - من العرب - مثل ما أظهره ويدّعي مثل ما ادّعاه ، ويفعل كلاما بعد كلام يظهر أنّ جبرئيل عليه السّلام - أو غيره من الملائكة - أنزله إليه ، ويتعمّد لانتظاره ووقت نزوله في الأوقات ؛ فإنّ مثل القرآن - إذا لم يكن معجزا ولا ممنوعا عن معارضته - ممكن لهم ، وادّعاء نزول الملائكة به أدخل في باب التّمكّن ؛ لأنّه ممكن لكلّ قادر على الكلام ، وإن كان الأوّل يختصّ بالتمكّن منه الفصحاء . وممّا يبيّن أنّ الحال الّتي وصفناها تقوم مقام التحدّي بالقول والتقريع باللّفظ - بل ربّما زادت عليهما - أنّ أحدنا لو نال رئاسة في الدّنيا جليلة ، ووصل إلى منزلة رفيعة ، وأظهر أنّ له فضلا على غيره وتقدّما على سواه ، وأنّ ما ناله يستحقّه بما هو عليه ، وكان له مع ذلك أعداء ومنافسون يحسدونه ، ويثقل عليهم تقدّمه ووصوله إلى ما وصل إليه ، ويحبّون أن ينتقض أمره ، ويفسد حاله ، ولم يظهر لهم من أحواله ممّا كان كالذّريعة إلى تلك الرّتبة وبلوغ تلك المنزلة ، إلّا أمر من الأمور